صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
396
شرح أصول الكافي
فمهما اطلع أحد بالحقيقة على هذه الموازنة عرف معنى قوله صلّى اللّه عليه وآله : ان اللّه خلق آدم على صورته ، ولكن معرفة ترتيب افعال اللّه تعالى غامضة تحتاج إلى تحصيل علوم كثيرة . وقال أيضا : فلولا ان اللّه تعالى جمع في الادمي ما هو مثال جملة العالم حتى كأنه نسخة مختصرة من العالم وكأنه ربّ في عالمه متصرّف فيه ، لما عرف العالم والتصرّف والرّبوبية والفعل والقدرة وسائر الصفات الإلهية ، ولولا هذه المضاهاة لم يقدر الانسان على الترقي من معرفة نفسه إلى معرفة ربّه ، فصارت النفس بمضاهاتها وموازنتها مرقاة إلى معرفة خالق النفس . فاذن نقول : المراد بالصورة في قوله صلّى اللّه عليه وآله : ان اللّه خلق آدم على صورته ، صورة نسبة ذات اللّه تعالى إلى مجموع العالم وترتيبه ونظامه ووقوع كل جزء من اجزائه على نسبة خاصة إليه تعالى ، وكون بعضها بواسطة بعض وقرب بعضها منه تعالى وبعد البعض ، ولا شك ان نسبته تعالى إلى العالم أفضل النسب وأشرفها ولذلك قال عليه السلام : اصطفاها اللّه واختارها على سائر الصور المختلفة ، اي على سائر النسب التي يكون في العالم ، فان هذه النسبة تكون بين أمور مترتبة بالذات ترتيبا يرتقي بها الكثرة إلى وحدة ويصير بها الكثير واحدا ، فأضافها لشرفها وفضيلتها على غيرها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه في قوله تعالى : طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ « 1 » ، لأنه أول بيت وضع للناس ، وأضاف الروح إلى نفسه في قوله : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي * « 2 » ، لانّ الروح أشرف ممكن وأفضل مخلوق وأكرم جوهر في العالم . إلى هنا ينتهي الجزء الأول من شرح كتاب التوحيد ويليه الجزء الثاني ان شاء اللّه وأوله : باب جوامع التوحيد
--> ( 1 ) - البقرة 125 . ( 2 ) - الحجر 29 .